سياحة واثار

جبانة الإسكندرية القديمة

174

كتب دكتور / محمد فتحي منصور

نظرا لتخطيط المدينة الذي حتمته طبيعة الأرض التي بنيت عليها الإسكندرية فقد إستدعى ذلك بناء الجبانات اما شرق أو غرب المدينة ويستحيل وجودها في الشمال نظرا لامتداد البحر في الشمال باستثناء مقابر الأنفوشي ورأس التين الواقعة على جزيرة فاروس, وفي الجنوب نظرا لوجود بحيرة مريوط.
ويذكر استرابون أنه كانت هناك مدينة وحيدة للموتى في الضاحية الغربية تسمى نيكروبوليس ولكن الحفائر التي تمت أثبتت وجود جبانة شرق المدينة تمتد منذ الفترة البطلمية المبكرة وحتى العصر الروماني وعلى ذلك يكون هناك جبانتان بخلاف الجبانة الملكية التي تقع وسط المدينة, والجبانة الشرقية وتضم (مقابر الشاطبي – مقابر الإبراهيمية – مقابر كليوباترا – مقابر سيدي جابر – مقابر شارع تيجران – مقابر الحضرة – مقابر مصطفي كامل ) أما الجبانة الغربية والتي تقع غرب المدينة وتضم ( مقابر الأنفوشي – مقابر كرموز – مقابر كوم الشقافة – مقابر القباري – مقابر الورديان ).
ومن الملاحظ أن أهل الإسكندرية من المقدونيين واليونايين كانوا يفضلون دفن موتاهم في الجبانة الشرقية إبان العصر البطلمي ( 323 – 30 ق.م), أما المصريين فكانوا يفضلون دفن موتاهم في الجبانة الغربية ربما لقربها من الحي الوطني الذي يقيمون به, وقد اختلف الحال منذ أواخر عصر الأسرة البطلمية وخلال العصر الروماني حيث قل استخدام الجبانة الشرقية للدفن وتبعا لذلك كثر استخدام الجبانة الغربية.
هناك نوعان من المقابر في الإسكندرية (مقابر الملوك في الجبانة الملكية – مقابر الأفراد ), وقد حافظ المصريون خلال العصر اليوناني والروماني على عاداتهم الجنائزية فظلوا يحنطون موتاهم ويدفنونهم في مقابر على الطراز المصري وفقا للطقوس المصرية القديمة.
أما الأجانب وعلى الأخص الإغريق منهم فكانوا يفضلون في بادئ الأمر إحراق جثث موتاهم ثم جمع الرماد المتخلف وحفظه في أوان على شكل قدور توضع في فجوات داخل مقبرة, لكنهم سرعان ما نبذوا هذه العادة وبدأوا يحنطون الجثث كما يفعل المصريون.
وكان جسد الميت سواء أكان محنطا أو غير محنطا يدفن في مقبرة أو يوضع على سرير جنزي داخل المقبرة أو في تابوت مصنوع من الرخام والجرانيت وأحيانا من الفخار أو الرصاص أو يوضع الميت في فجوة مستطيلة الشكل محفورة في جدار المقبرة ويطلق عليها اسم لوكولوس تتسع لوضع شخص واحد وأحيانا لشخصين وغالبا ما نجد داخل المقبرة صفوفا من هذه الفجوات متوازية يتلو بعضها البعض وكانت كل فتحة تغطى بلوح من الحجر غالبا ما يذكر عليه اسم الشخص المدفون بها, وعلى ذلك

يمكننا تقسيم هذه المقابر إلى نوعين:-

- Advertisement -

الأول:-

عبارة عن حفرة في الأرض يوضع فيها الميت ثم تغطى في الغالب بألواح من الحجارة تعلو فوق سطح الأرض مكونة ما يشبه الدرج وقد يعلوه درج آخر يشبه الهرم المدرج, وكان يثبت في أحد جدرانه لوحة ملونه للميت ومن أمثلة ذلك بعض المقابر بمنطقة الشاطبي الأثرية بالإسكندرية بالقرب من سان مارك.

النوع الثاني:-

- Advertisement -

فهو عبارة عن عدة فجوات تكون حجرات محفورة بأكملها في الصخر يوصل إليها سلم يؤدي إلى فناء على جوانبه حجرات الدفن, أيضا تظهر منامة لدفن الجثة منحوته في الحائط بعمق وتأخذ في نهاية العصر الكلاسيكي شكل المعبد أي أن الفتحة حفرت في جزئها العلوي على شكل جمالون وتغطي الفتحة بلوحة حجرية عليها اسم المتوفي كما هو موجود في مقابر الشاطبي.
وتدل بقايا المقابر الإغريقية التي وجدت حتى الآن في الاسكندرية ونقراطيس وأبو صير والفيوم ؟.

على أنه يمكن تقسيم المقابر الإغريقة في مصر إلى قسمين رئيسيين

القسم الأول :-

عبارة عن حفرة منتظمة الشكل أو غير منتظمة تنحت في الصخر أو تحفر في الأرض ويختلف إتساعها وعمقها حسب عدد الأشخاص الذين أعدت لدفنهم وتغطى بالأحجار والتراب ، وهذه المقابر بسيطة جدا ولا تستحق الإفاضة في الكلام عنها ونظائرها كثير في مختلف أنحاء العالم الإغريقي مما يدل على أن الإغريق قد أحضروا معهم طرق دفنهم .
القسم الثاني :-

عبارة عن المقابر التي تبنى أو تنحت تحت سطح الأرض وكانت تتألف من نوعين أحدهما يسمى المقابر ذات الفتحات وكانت توجد في الاسكندرية والفيوم والنوع الآخر ويدعى مقابر اللأرائك ووجدت فقط في الاسكندرية
وكان النوع الاول هو الشائع بين الطبقات الوسطى في حين ان الثاني كان شائعا بين الطبقات العليا, ولكن ازدياد عدد السكان وضيق الارض المخصصة للدفن ادى الى استبدال النوع الاول والثاني, وقد بدات عملية الاستبدال في مقبرة الشاطبي وبلغت ذروتها في جبانة القباري والمكس, ومقابر النوع الاول فئتان ان كانت احداهما لدفن شخص واحد والاخرى لدفن عدد من الاشخاص و تتالف مقابر الفئه الاولى من بئر صغيره بها درج وفي اسفل جدار البئر المواجهه للدرج توجد فتحه مستطيله لدفن جثه الميت.

اما مقابر الفئة الثانية

فانها تتالف عادة من دهليز طويل او غرفة توجد في جدرانها فتحات الدفن في صف واحد او عده صفوف فوق بعضها البعض, وكانت فتحات الدفن تقفل عادة بالواح صخريه تزينها ابواب وهمية كانت مصوره في اغلب الاحيان بالالوان وفي بعضها بالنقش البارز, وكانت هذه الزخرفه على النمط الاغريقي عادة الا في حالتين نجد طرازا مختلفا, ففي احداهما يرينا النصف العلوي عمارة اغريقية بحتة, في حين ان النصف السفلي يمثل عماره مصريه بحتة في ما عدا افريزا إغريقيا ذا اسنان وسط عناصر مصرية, في الحالة الاخرى نجد بابا مصريا في طرازة فيما عدا إفريزا مشابه للإفريز السالف الذكر.
و نجد هذه الظاهرة ايضا في بعض انصاب الموتى التي صنعت على شكل هياكل صغيرة ويرجح ان تاريخ اقدم هذه الانصاب يرجع الى النصف الثاني من القرن الثاني ق. م, وتدل القرائن على ان الابواب الوهميه التي تبدو فيها هذه الظاهرة يرجع الى حوالي هذا التاريخ.
ولما كان اختلاط عناصر العمارة الاغريقية والمصرية اختلاطا محددا طفيفا على نحو ما راينا وكانت الابواب والانصاب التي تختلط فيها عناصر العماره الاغريقية والمصرية قليله جدا, بالنسبه الى التي كانت اغريقية بحتة, فان ذلك ينطوي على قرينة هامة, سنرى امثله متعددة لها مما يوحي بان مدى اختلاط الحضارتين كان محدودا للغايه, وبما ان الدفن في فتحات كان خاصية من خواص الدفن في فينيقيا كالمصاطب والاهرامات في مصر, فاننا نرجح ان اصل ما وجد من هذه المقابر في مصر فينيقي, وتدل زخرفه هذه المقابر ونقوشها ومحتوياتها على ان غريق مصر قد اقتبسوا هذا النوع من المقابر واستعملوه في مصر طوال عصر البطالمة وتستحق مقابر الارائك ان نوليها قدرا كبيرا من الاهتمام ولفرط ما كان يوجه اليها من العنايه في انشائها ولانها تمدنا بالادله المنقطعة النظير عن المنازل الاغريقيه في عصر البطالمه.
اذ يبدو ان السكندريين كانوا يبنون بيوت العالم الاخر على نمط بيوت هذا العالم واخيرا لان جدران هذه المقابر كانت مغطاه بزخرفة تلقى شعاعا قويا من الضوء على اصل الزخرفه المعروفه باسم زخرفه بومباي, وتشبه مقابر الاسكندريه التي من هذا النوع نوعا من المقابر وجدت بمقدونيا, ونجد بمقدونيا المقابر المقدونيه تتالف من غرفتين احدهما خلف الاخرى وتسمى الغرفة الامامية برو ستاس, و الغرفة الخلفية ايكوس, وفي مقدونيا كانت هذه الغرفة الخلفية هي الغرفة الرئيسية في المقبرة وفيها كان الميت يدفن فوق تابوت على هيئة الاريكة.

- Advertisement -

Leave A Reply

Your email address will not be published.