سياحة واثار

تأسيس مدينة الإسكندرية

189

كتب/ محمد فتحي منصور

إسترعى انتباه الاسكندر بقعة من اليابسة تفصل البحر المتوسط عن بحيرة مريوط وفكر مليا في تلك البقعة ذات المواصفات العجيبة التي تصلح لإنشاء مدينة الكبير على أحدث الطرز في ذلك الوقت حيث تتميز بما يلي:-
إمكانية وصول مياه الشرب العذبة من النيل عن طريق الفرع الكانوبي, كذلك وجود جزيرة صغيرة في مواجهه تلك البقعة لا تبعد عنها اكثر من ميل واحد مما يمكن وصلهما معا, أيضا تعتبر هذه الجزيرة جبهه دفاعية أمامية للمدينة, بالإضافة الى وجود بحيرة مريوط جنوب هذه اليابسة يشكل تحصينا دفاعيا من ناحية الجنوب, أخيرا جفاف المنطقة وبعد الموقع عن التأثر بطمي النيل حيث يتم طرده بواسطة التيارات البحرية في البحر المتوسط المتجهه ناحية الشرق.
ولعل عبقرية المكان في الإسكندرية قد أوحى لفارسها المقدوني أن يؤسس مدينة يتحاكى بها الزمان وتتفاعل على أرضها الحضارتان الإغريقية والمصرية, فأضفى الاسكندر بعبقريته الفذه إضافة الى عبقرية المكان طرازا متفردا لهذه المدينة حيث أكدت الشواهد التاريخية فيما بعد صحة هذا الاعتقاد, وعليه فقد أقتعت هذه المواصفات الاسكندر بضرورة إنشاء مدينة في هذا الموقع تحمل اسمه وتخلد ذكره على مر الزمان.
واختار المهندس دينوقراطيس النمط الهيبودامي” هو نمط من تخطيط المدن على شكل رقعة الشطرنج ابتدعه المهندس هيبوداموس ابن يوريفون من مدينة ميليتوس بآسيا الصغرى”, وهذا النمط عبارة عن شارعيين رئيسين متقاطعين بزاوية قائمة مثل تخطيط شوارع أخرى فرعية تتوازى مع كل من الشارعين مما يجعل مساحة الأرض أشبه بقطعة الشطرنج, وهو التخطيط الذي شاع استخدامه في العديد من المدن اليونانية منذ القرن الخامس ق.م وبدأ المهندس دينوقراطيس بمد جسر يربط بين الجزيرة وبين اليابسة, هذه الجزيرة هي التي سميت فيما بعد بجزيرة فاروس نظرا لإنشاء فنار الاسكندرية احدى عجائب السبع في العالم القديم على الطرف الشرقي لها.

البدايات الأولى لتأسيس المدينة:-

- Advertisement -

- Advertisement -

يحدثنا المؤرخ استرابون ” أنه في لحظة تأسيس مدينة الاسكندرية وعند تخطيطه لشوارع المدينة استخدمت كميات من الجير المتاح في المنطقة ولكنه نفذ قبل أن يتم تخطيط كل الشوارع لذا فقد استعان المهندس دينوقراطيس بالقمح الخاص لطعام الجنود لتخطيط بقية الشوارع”
تم تقسيم الاسكندرية الى خمس أحياء حملت حروف الابجدية اليونانية الاولى من خمس كلمات يونانية ترجمتها: شيدها الاسكندر الملك ابن الاله.
ويمكن تحديد هذه الأحياء كما يلي: حي ميدان السباق:- وهو يشمل الجزء الشرقي من المدينة وقد كان منفصلا عن باقي المدينة بالمستنقع أو الأحراش وكان يقطعه الشارع الكانوبي ويشتمل على ميدان السباق وكان ميدان السباق بطبيعة أرضه أوسع الأحياء وكان أقل الأحياء سكانا,
حي البروكيون:- وهو الحي الذي يقع به معظم القصور ويمكن تسميته بالحي الملكي حيث كان يشمل المنطقة الواقعة بين البحر وبين ما يقع من الشارع الكانوبي بين ميدان الهيبتاستاديوم وميدان الجيمانزيوم وكان هذا الحي يضم جميع القصور الملكية ومراسي السفن ومعبد الأرسينيوم ثم المسرح والمكتبة والمعابد والمقابر الملكية وغيرها.
حي كوم الدكة(السوما):- وهو حي السوما ويشمل هذا الحي كوم الدكة والمرتفعان الواقعان بين هذا التل وبين الترعة واللذان يكونان معا هضبة واحدة يمكن أن تكون حيا يحده من ناحية الشمال ملعب الجيمانزيوم والسوما .
حي الموسيون:- وهو حي المتحف وهو أصغر الأحياء جميعا ونظرا لوقوع المتحف داخل نطاق هذا الحي فهناك اقتراح بتسميته بحي المتحف أو حي الموسيون.
حي راكواتيس:- وهو الحي الوطني وكان يسكنه المصريون نظرا لأنه كان النواة التي تكونت منها مدينة الإسكندرية وكان هذا الحي منفصلا تقريبا عن المدينة بالدرب الصغير الذي يرى بين تل السرابيوم وبين المرتفعين اللذين يكونان نواة حي المتحف.
ضواحي مدينة الإسكندرية القديمة:-
مدينة الموتى “النيكروبوليس” وهي تجاور مدينة الإسكندرية من الناحية الجنوبية الغربية وكانت هي الضاحية الوحيدة الملاصقة لها, فلا يفصل عنها سوى الأسوار المحيطة وكانت تمتد بين البحر وبحيرة مريوط وهي مخصصة للمقابر وسراديب الدفن التي عثرت عليها البعثة الفرنسية للآثار عام 1997م بالقرب من الكوبري العلوي الذي يربط ميناء الإسكندرية والطريق الصحراوي.
مدينة النصر”نيكوبوليس”:- وهو الجزء الذي قال عنه استرابون بعد ما عبر ميدان السباق ” توجد على مسافة ثلاثين ستاديا من الإسكندرية وعلى شاطىء البحر ناحية نيكوبوليس الآهلة بالسكان كأنها مدينة من المدن, وقد أدخل الإمبراطور أغسطس الكثير من التحسينات على هذه الناحية, بعد أن هزم فيها أولئك الذين تقدموا ضده مع أنطونيوس”.
ضاحية “اليوزيس”:- وصف استرابون هذه المنطقة في كتاباته ووضح أنها كانت منعزلة تماما عن المدينة حيث قال ” إذا خرج الإنسان عن طريق الباب الكانوبي فإنه ينحدر الى يمين الترعة التي تتجه نحو كانوب على حافة البحيرة ويذهب الإنسان مع هذه الترعة الى شيديا متبعا الفرع الذي ليتصل بالنهر الكبير والى كانوب ولكنه يقابل أولا (اليوزيس) الواقعة بالقرب من الإسكندرية ومن نيكروبوليس على نفس شاطيء الترعة الكانوبية وهي تشمل أماكن لهو ومتعة ومساكن في موقع بديع يؤمها أولئك الذين يبحثون عن المتعة من الرجال والنساء وهناك يبدأ بشكل ما نوع من حياة الانحلال التي يحياها القوم في كانوب.

الإسكندرية ودورها في تكوين حضارة جديدة:-

لعبت الإسكندرية دورا هاما إن لم يكن الأول في العصر المتأغرق في أكثر من مجال ففي عهد البطالمة الأوائل كانت الإسكندرية كعاصمة لمصر هي منطلق السياسة التوسعية التي عرفت طريقها الى أغلب شواطيء المنطقة التي انطبعت بالطابع المتأغرق واذا كانت الفترة التالية من حكم البطالمة قد بدأت تشهد تدهورا ثم ضياعا في المركز السياسي البطلمي أمام تدخل روما الدريجي وسطوتها على شرق المتوسط.
ولم يقتصر دور الإسكندرية في العالم المتأغرق على الجانب السياسي فقط, بل تعداه الى الجوانب الآخرى وبخاصة الجانب الثقافي عموما, والذي تجسد في ظهور جامعة الاسكندرية بكل من اشترك في ابحاثها من العلماء الذين أتو من كافة انحاء العالم المتأغرق ومن بينهم أسماء احتل أصحابها مركز الطليعة في أفرع المعرفة التي عالجوها طبا كانت أم فلكا أو رياضة أو فيزياء وغيرها من العلوم.
وفي صورة مكتبة الاسكندرية التي كانت أكبر مكتبة عامة في العالم القديم والتي تحايل البطالمة بكافة الطرق حتى يغذوها بأنذر وأكبر قدر من الكتب الموجودة في زمنهم.
وظهر طابع الاسكندرية في الأدب ليس فقط في الاسكندرية وإنما ظهر أثر هذا الطابع في المراكز الأدبية الآخرى في العالم المتأغرق وبخاصة تحت حكم البطالمة الثلاث الأوائل الذين يقع ضمن عهدهم أوج العصر السكندري .
واتخذ البطالمة من الإسكندرية عاصمة الدولة التي اقاموها في مصر وكانت بالضرورة صورة للعصر الجديد وكانت لها ميزاتها الطبيعية التي كفلت لها كل فرص الاستقرار الكفيل بتدعيمها كمركز للحضارة المتأغرقة حيث كان على القائمين عليها أن يختاروا مكانا مناسبا يصلح كمقر لعاصمة ملكهم ولكن البطالمة لم يختاروا طيبة أو منف العاصمتين التقليديتين للفراعنه على الرغم من تشبههم بالفراعنة وساروا على نمطهم في كل مايتعلق بنظام الحكم.
#stayhome #staysafe #stayhealthy

- Advertisement -

Leave A Reply

Your email address will not be published.