سياحة واثار

تاريخ مدينة الغردقة …لنعرف من اين بدأت وكيف ومتي انطلق سحرها الي العالمية

129

كتبت / عبير الجوهري

الغردقة اسم لاتخطئه اذن…. من اشهر المدن السياحية في مصر والعالم بلا مبالغة  مدينة تتمتع بالسحر في كل ركن من اركانها …..شواطئها متنوعة خلابة المناطر ذات مياه فيروزية لا تقاوم تمتلك اجمل غابات من الشعاب المرجانية تحت سطحها الفيروزي مغرية لمحبي السباحة ساحرة لمحبي الغوص فاتنة لمحبي الصحراء وغروب الشمس وراء الجبال ….باختصار هي الفاتنة التي تسحر كل من يراها سحرا لا يقاوم سحر يجبر كل عاشقيها دائما للعودة اليها…وفي السطور القليلة القادمة نغوص قليلا في تاريخ تلك المعشوقة لنعرف من اين بدأت وكيف ومتي انطلق سحرها الي العالمية .

نبذة عن الموقع الجغرافي:-

- Advertisement -

مدينة الغردقة هي العاصمة الإدارية لمحافظة البحر الأحمر, تشغل مساحة اربعين كيلو متر من ساحل البحر الأحمر( الحد الشرقي الطبيعي لجمهورية مصر العربية), ومن المعروف ان محافظة البحر الأحمر تعتبر من اكبر محافظات مصر حيث تبلغ مساحتها حوالي 130000 الف كيلو متر مربع ويصل طول الساحل الي 1080 كيلو متر ممتدا من مدينة الزعفرانة شمالا وحتي اقصي الجنوب عند منطقة حلايب وشلاتين اخر نقطة للحدود المصرية المقابلة لحدود دولة السودان جنوب مصر.

وتقع اعلي قمة جبلية في سلاسل جبال البحر الأحمر في المنطقة الجبلية الواقعة غرب مدينة الغردقة حيث قمة جبل (شايب البنات) والتي يبلغ ارتفاعها 2185 متر فوق مستوي سطح البحر.

أصل تسمية مدينة الغردقة:-

اختلفت الأقاويل حول اسم المدينة الأصلي , حيث قيل ان الأسم الأصلي للمدينة هو (هرغادة) وهو نسبة الي منطقة صحراوية تسمي (ديشة هرغادة), كما ان هناك رأي اخر ينسب تسميتها الي نبات( الغرقد) والتي تحول نطقها الي (الغردق) و يعرف هذا النبات ايضا باسم (عنب الديب) أو (فيروز الشطأن) وهي الأسماء التي يطلقها عليه بدو الصحراء هناك وهو نبات طبيعي له اشواك ويتميز بثمرة مستديرة صغيرة حمراء اللون وله رائحة زكية ينمو منذ القدم علي السواحل في صحراء البحر الأحمر.

وربما يرجع السبب في هذه التسمية لمكان تجمع الصيادين تحت شجرة الغردق وموقعها الحالي ميناء الغردقة البحري والي جواره نادي القوات المسلحة حاليا (استراحة الملك فاروق سابقا)  وهؤلاء الصيادين من قبائل الرشندية والجهينة و المعازة وغيرهم من قبائل الصيادين التي نزحت من بلاد الحجاز واستوطنت المنطقة وعاشت فيها منذ القدم وحتي يومنا هذا وهم السكان الأصليين لمناطق ساحل البحر الأحمر وكانت حرفتهم الأساسية الصيد والتجارة مع سواحل بلاد الحجاز و صعيد مصر.

نشأة مدينة الغردقة:-

لم يكن الموقع الحالي لمدينة الغردقة من المواقع المأهولة لفترات طويلة من الزمن علي عكس بعض المدن الأخري في محافظة البحر الأحمر ذات الطابع التاريخي الطويل مثل مدينة القصير الضاربة في القدم, وظلت المنطقة مجرد استراحة ومكان تجمع للصيادين ليس الا ولم يكن بها سوي خمسة او ستة بيوت لبعض الصيادين الذين استقروا فيها وكانت تلك البيوت  مصنوعة من الشعر (وبر الإبل وشعر الأغنام) وذلك علي غرار مساكن البدو للوقاية من الحرارة والأمطار وكان السكان يعملون في صيد السمك ويقومون بتجفيفه حتي لايفسد ويباع الإنتاج للتجار القادمين من الصعيد وكانت وسيلتهمفي هذا الوقت التنقل علي ظهور الجمال  (كانت 100 سمكة تباع بحوالي 70قرشا) كما كانوا يصطادون اللؤلؤ  والذي كان في الغالب ذو حبات صغيرة جدا (كان يتم طحن حبات اللؤلؤ الصغيرة وتخلط مع الكحل المستخم للتزيين) .

لم تكن مدينة سياحية:-

استمرت الغردقة علي هذا الحال مجرد قرية صغيرة للصيادين حتي بدايات القرن العشرين  و في الفترة من (عام 1909- 1911)  اكتشف  البترول في الغردقة عن طريق شركة (حقول البحر الأحمر) التي اشترتها شركة فيما بعد (أبار الزيوت الإنجليزية المصرية المحدودة) وهي الشركة التي كانت تتولي البحث والتنقيب علي ساحل البحر الأحمر, وبدا الإنتاج الفعلي من حقول مدينة الغردقة بعد الحرب العالمية الأولي وكانت المنطقة هي المصدر الرئيسي للبترول في مصرفي هذا الوقت باجمالي 142 حقل.

وبطبيعة الحال بدأت العمالة المطلوبة في التوافد للعمل  بالشركة والخدمات المحيطة من شق الطرق وتجهيز خطوط السكك الحديدية وغيرها من الخدمات المرتبطة بالإستثمارات الجديدة, وكانت النسبة الأكبر من العمال تأتي من صعيد مصر وخاصة من محافظة قنا, وقد رويت الكثير من القصص عن هذه الرحلات من البدو اللذين عاصروا تلك الفترات, حيث قالوا ان دليل الرحلة المصاحب للعمال كان بقوم بربطهم بحبل طويل اثناء السير حتي لا يتخلف احد او يضيع في الصحراء وذلك لأن القافلة كانت تسير ليلا وترتاح نهارا اذا اشتد عليهم قيظ الصحراء.

وقيل ايضا ان العمال عند وصولهم للغردقة كانت المرة الأولي التي يشاهدوا فيها شاطئ البحر فتسابق بعضهم للقفز في المياه وللأسف مات بعضهم غرقا لعدم معرفتهم بالسباحة كما ورد في رواية علي لسان الحاج بريص رحمة الله عليه والذي كان من اوائل العاملين في البحر الأحمر.

 

- Advertisement -

استمرت الغردقة كمدينة منتجة للبترول وتطورت فيها الخدمات الإدارية الي حد بعيد وزاد عدد قاطنيها من الرواد الأوائل حتي فترة الخمسينيات حيث بدأ عدد كبير من السكان في النزوح الي مدينة رأس غارب وذلك بسبب وفرة فرص العمل وانتقال مركز شركة البترول من الغردقة بعد انخفاض معدل انتاج ابارها وازدهار الإكتشافات البترولية في الحقول البحرية والبرية في منطقة رأس غارب ورأس شقير.

الإ أن الغردقة لم تفقد مركزها اداريا حيث اصبحت بشكل رسمي العاصمة الإدارية لمحافظة البحر الأحمر, وتمركزت بها الخدمات التموينية والكتاب والمدارس الإلزامية الإبتدائية التي كان يلنحق بها التلاميذ ثم ينتقلون الي محافظة السويس او محافظة قنا لإستكمال دراستهم في المدارس الثانوية.

والمدينة كانت منقسمة الي حيين حي الدهار ومعناه (الأرض المرتفعة) وكان يقطنه موظفي شركة ابار الزيوت من الإنجليز والمصريين وحي السقالة (نسبة الي المارينا التي كانت تقف عليها مراكب البترول والبضاعة) والذي كان يقطن فيه الصيادين ويعتبر هذا الحي هو اساس مدينة الغردقة كما ذكر سابقا… وكانت همزة الوصل بين المنطقتين سيارة عم قاسم الخاصة بنقل المواد التموينية  وهذه السيارة كانت تعمل (بالمنافلة) اي تدار يدويا اولا وكانت سرعتها حوالي 3 كيلو في الساعة , ومن الطريف والمعروف انها اول سيارة في مدينة الغردقة ولم تكن تحمل لوحة معدنية ولم ترتكب اي مخالفة طوال قترة عملها كما ذكر اهل الغردقة وبالإضافة الي سيارة عم قاسم كان هناك القطار الخاص بشركة البترول والواصل مابين الدهار والسقالة.

محطة الأحياء المائية بالغردقة:-

كانت كلمة الأحياء (تحولت فيما بعد لحي سكني بنفس الإسم) تطلق نسبة لمعهد علوم البحار والذي كان يسمي بمحطة الأحياء المائية ثم تحول الي معهد الأحياء المائية والذي تم انشائه في عام 1928 بواسطة كلية العلوم بالجامعة المصرية وذلك  لإقامة مختبر علي ساحل البحرالأحمرلجمع العينات ودراسة الحياه البحرية في هذه المنطقة, وتم اهداء تجهيزات ومعدات المختبر من معهد الملك بالشاطبي بالإسكندرية  واستمرت تبعية المحطة لقسم العلوم والبيولوجيا بالجامعة المصرية حتي عام 1945 حتي اصبح معهد مستقل يحمل اسم ( المعهد الملكي لعلوم البحار بجامعة فؤاد الأول) ومن اشهر من تولوا قيادة هذا المعهد الأستاذ الدكتور حامد جوهر  والذي عاش فتره طويلة جدا من حياته في منطقة الأحياء في مدينة الغردقة وسميت هناك مدرسة بإسمه وكان من الشخصيات المحبوبة جدا وذات التأثير العميق والأثر الطيب في مجتمع مدينة الغردقة منذ القدم وحتي وقتنا هذا لازال يتمتع الدكتور حامد جوهر رحمة الله عليه بحب اهالي الغردقة .

الملك فاروق والمدينة الساحرة:-

كان الملك فاروق معروف بحبه للسفر وللصيد وكانت له زيارة سنوية الي مدينة الغردقة حيث بني فيها استراحة علي شاطئ البحر (اصبحت فيما بعد نادي القوات المسلحة) وكان يتجول اثناء زيارته فيانحاء المدينة ويزور المدارس وكانت زيارته دائما محبوبة للتلاميذ حيث انه كان يقوم بتوزيع الهدايا (صندل وجلباب وعشرة قروش) لكل تلميذ كما ورد عن مؤرخي ومعاصري هذه الفترات من سكان الغردقة القدامي, وقيل ان الملك كان يربي الغزلان في جزيرة (شدوان) احدي اشهر الجزر في محافظة البحر الأحمر واوكل الملك الإشراف علي تلك الغزلان الي عمال الموانئ.

استراحة الملك فاروق علي شاطئ البحر الأحمر بمدينة الغردقة

   اول فندق في الغردقة:

لم تكن الغردقة كما ذكرنا مدينة سياحية ولم تكن تعرف الفنادق وكانت مبانيها الواقعة علي البحر بطبيعة الحال مبنية علي الطراز الإنجليزي وكانت  تستخدم لسكن الموظفين الأجانب من العاملين بشركة اليترول واسرهم وكان هناك عدد قليل جدا من الشاليهات الصغيرة يتم فيها استضافة الأصدقاء الراغبين في تقضية عطلات هادئة علي شواطئ البحر, ومع الوقت بدأت المنطقة في استقطاب محبيالسباحة و رياضة الغوص وذلك لجمال ونقاء وروعة الحياه البحرية في مياه البحر الأحمر وكانت اغلبها سياحة فردية, وبطبيعة الحال لفتت بداية شهرة المنطقة نظر شركة فنادق شيراتون العالمية والتي قررت إنشاء اول فندق في مدينة الغردقة عام 1963 والذي اصبح مركز جذب عالمي لمحبي الهدوء والطبيعة بالإضافة الي رياضة الغوص.

ورغم وجود فندق الشيراتون الي ان الغردقة لم تتواجد بقوة علي خريطة السياحة العالمية الا مع نهايات الثمانينبات وبداية تسعينيات القرن الماضي, حيث كانت القفزة الهائلة في اهتمام الدولة والمستثمرين بتنمية وتطوير الغردقة كمدينة سياحية عالمية مما كان له اثر كبير في التحول الهائل للمدينة التي افصحت للمستثمرين في مجال السياحة والفندقة عن مكامن الجمال الموجودة فيها واصبحت الغردقة ومن ورائها مدن البحر الأحمر القصير وسفاجا ومرسي علم وجهة سياحية عالمية ذات طابع راقي ينافس اشهر الشواطئ العالمية حتي انها سميت( الريفيرا المصرية).و (مالديف مصر) لشدة جمال الطبيعة وصفاء مياه بحرها الفيروزي.. وبالطبع مع زيادة اعداد الفنادق والخدمات السياحية في الغردقة زادت فرص العمل واصبحت مدينة الغردقة مركز جذب سكاني كبير وزاد التوسع العمراني فيها بشكل كبير, وتماشيا مع تلك الزيادة السكانية زادت الخدمات التعليمية والصحية الترفيهية فيها بشكل ملحوظ وتطورت الغردقة عمرانيا بشكل كبير منافسة لكل المدن المصرية الأقدم منها  واصبحت بحق عروس البحر الأحمر .

الإ ان اهالي الغردقة الأصليين دائما ما يرون ان الغردقة قديما كانت ذات طابع مميز ويترحمون دائما علي ايام الهدوء والنقاء التي كانوا يعيشونها قبل الزحف العمراني الحضاري علي المدينة وقت ان كانت العائلات جميهعا علي معرفة ببعض والبيوت مفتوحة للجميع والكل في خدمة الكل والحياة التي علي رغم من بساطتها الا انها كانت الأجمل والأميز لسكانها الذين دفعوا ضريبة التطور والعمران بفقدهم للهدوء وراحة البال .ومع ذلك تظل الغردقة الأحب الي قلب سكانها دون منازع. .

مجموعة صور لمدينة الغردقة السياحية

- Advertisement -

Leave A Reply

Your email address will not be published.