سياحة واثار

رحلتى إلى أحد طيور مدينة رشيد المهاجرة

183

كتب / سعيد رخا

أما آن الأوان أن تتوقفى عن مفاجآتك وإبهارك للجميع ،ألم يكن لعوامل الزمن وأحداثه أى تأثير على شبابك وإبداعات أبنائك ،إلى متى ستظلين مثل الصندوق السحرى لا تنضب مفاجآته وأحداثة ،صرنا نتجول فى صفحات تاريخك ولا نملك سوى القناعة بما تجودين علينا من معلومات فأحيانا نشعر ببخلك وأحيانا أحرى نغرق فى بحر من المعلومات والأحداث والوثائق إلى درجة أننا أحيانا يتوقف عقلنا عن الإستيعاب
تداعبنا مدينة رشيد بين الحين والآخر بومضات تدفعنا للتحرك ونحن نلهث لهث العطاشى بحثا عمن يروى ظمأنا عن تاريخ هذه المدينة ،وقد عقدنا العزم منذ البداية ألا نكل ولا نمل من البحث المستمر فى كل مناحى المدينة سواء كانت تاريخية أو إجتماعية وكذلك الناحية الثقافية ،وكلما أبحرنا فى ظلمات بحور هذه المدينة تكاد تغرقنا بفيض من المعلومات والوثائق التى لاتتضب وكأنها منبع التاريخ
غريبة حقا هذه المدينة تعشق من يحبها ويهتم بها وتمده بكل غال ونفيس فى علم التاريخ ومعرفة بواطن الأمور أما من يتعالى عليها ويهملها ويتعمد إهانتها فهى له بالمرصاد وسقوطه المدوى أمر حتمى لا بديل عنه
تزدحم الأفكار والموضوعات البحثية المرتبطة بالمدينة فى رأسى فكل يوم يتجلى أحد الموضوعات لا تقل أهمية ولا روعه عنا سبق بحثه ،فحين كنا نعمل على كتابنا رشيد فى عيون الرحالة والمستشرقين أرغمنا ونحن صاغرين فى الكتابة عن تل أبو مندور الأثرى جنوب المدينة وقمنا بصياغة ذلك فى بحث وكتاب يحملان نفس العنوان باللغة الإنجليزية
ونحن نعمل على ذلك كنا نضع نصب أعيننا العامل البشري بالمدينة وهو صاحب الإنجاز الحقيقي وكنا مقتنعين تماما أن العنصر البشرى وتاريخه لا يقل أهمية عن التراث المادى سواء المواقع الأثرية أو الحرف التراثية التى تشتهر بها المدينة
وإذا نظرنا للمدينة على أنها تحتل المركز الثانى من حيث تعداد الآثار الإسلامية بعد مدينة القاهرة فإن ذلك بالتأكيد لم يكن من فراغ وإنما كان العنصر البشرى هو العامل الأساسى لكل ما شهدته المدينة فى عصرها الذهبى من إنجازات فى شت المجالات سواء الناحية المعمارية أو الإقتصادية أو الفنية أو الأدبية وغيرها
إن هذا الإنجاز من الإنتاج الضخم من المواقع الأثرية الباقية بالمدينة لهو دليل قاطع على وجود عنصر بشرى متميز وواعى ومثقف يجمع بين الحرفية والعلم وبين الإبتكار والأصالة بلأضافة إلى تنوع ثقافاته وأعراقه وكأننا نتحدث عن مصر بشكل مصغر ،حيث نجد العنصر القبطى بالمدينة ذو تاريخ وحضارة ترتبط إرتباط وثيق بالحضارة العربية الإسلامية إلى جانب توافد شعوب البحر المتوسط سواء من أوربا أو بلاد الشام أو المغرب العربى وكل ذلك يتم إنصهاره فى نسيج واحد ذو طبيعة خاصة وهم أهل رشيد
وهوشعب ودود مسالم لا تنخدع فى سلميته فهو كموج البحر لا تأمن ثورته ولا تقلباته يحترف التجارة وركوب البحر منذ القدم مرابط مدافع عن أرضه مضحيا فى ذلك بكل ما يملك ،محب للجمال وروحه جميلة يعشق الشعر والطرب والفكاههة ،فى هذا المناخ ولد نجم من نجوم الأدب العربى ،بل ولد شاعر العروبة على الجارم صاحب هذه الأبيات:

- Advertisement -

جــدّدي يـــا رشيدُ للـــحـبّ عَهْدَا
حَسْبُنا حســــــبُنا مِطالاً وصــدَّا
جــدّدي يـــا مدينة َ السحرِ أحــلا
ماً وعْيشاً طَلْقَ الأسارير رَغـْـدا
جــدّدي لمحة ً مضتْ مــن شبابٍ
مــثــل زهـر الربا يرِفُّ ويندَى
وابعثي صَحْوة ً أغار عليها الشــ
يْبُ حتَّى غـدتْ عَــنـاءً وسـُهـدا
وتعالَى ْ نــعــيـشُ في جَنَّة ِ الـمـا
ضـي إذا لم نجِدْ مـن العيشِ بـُدّا
ذِكْرياتٌ لــو كــان للــدهـــرِ عِقْدٌ
كـنّ فــي جِيدِ سالفِ الدهر عِقدا
والده الشيخ محمد صالح بن عبد الفتاح بن إبراهيم بن محمد الجارم ، ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ، رابع الخلفاء الراشدين . وأمه سيدة كريمة من أسرة أخرى معروفة في رشيد هي أسرة « السيسي ». من شعراء العصر الحديث ولد سنة 1299 هـ / 1881 م – توفي سنة 1368 هـ / 1949 م أديب مصري، من رجال التعليم له شعر ونظم كثير، ولد في رشيد، وتعلم في القاهرة وإنجلترا، واختير ليكون كبير
مفتشي اللغة العربية بمصر. ثم وكيلاً لدار العلوم حتى عام (1942)، مثل مصر في بعض المؤتمرات العلمية والثقافية، وكان من أعضاء المجمع اللغوي. وتوفي بالقاهرة فجأة، وهو مصغ إلى أحد أبنائه يلقي قصيدة له في حفلة تأبين لمحمود فهمي النقراش.

- Advertisement -

له (ديوان الجارم) أربعة أجزاء. وله (قصة العرب في إسبانيا) ترجمة عن الإنكليزية. وله (فارس بن حمدان)، وله (شاعر ملك). وقد شارك في تأليف كتب أدبية منها: (المجمل)، و(المفصل) وكتب مدرسية في النحو والتربية
کان علي الجارم ، شاعر العروبة وشاعر مصر الكبير ، متعدد المواهب ؛فقد وهبه الله ملكة الشعر فأنشد شعرا رصيا وهو لم يتعد الخامسة عشرة من العمر ، مما يدل دلالة واضحة على أن هذه الهبة الإلهية قد ورثها من آبائه وأجداده ، فقد اشتهرت عائلة الجارم في رشيد منذ زمن سحيق بأنها تمتلك زمام الشعر العربي الرصين وتسيطر على علوم اللغة العربية جميعا بالإضافة إلى تعمقها في الدين الإسلامي وعلومه المختلفة ؛ فوالده الشيخ محمد صالح الجارم خريج الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي ، وصل إلى أعلى المناصب القضائية فقد كان قاضي شرعي المديرية ، ذلك المنصب الذي كان يلي منصب مدير المديرية ( أو المحافظ ) مباشرة ، وكان شاعرا وأديبا
وقد تحدث الدكتور الطاهر مكي في بحثه « نصف قرن على رحيل الجارم ) قائلا : «لم يكن علي الجارم مجرد مثقف كمئات أو حتى عشرات آخرين من الكتاب ولكن كان أمة وحده : عبقرية فذة وموهبة متفردة ، متعدد الكفاءات والمهارات وظفها كلها في خدمة اللغة العربية إبداعا وبحثا ودراسة وتربية وتوجيها . كان شاعرا مغلقا نسيج وحده في بناء قصيده : لغة محكمة وفكرا عميقا وصورا جميلة وموسيقى أخاذة ، يملك أدوات فنه ويحسن توظيفها فلا يضطرب بين يديه إيقاع ولا تنبو کلمه ولا تقلق جملة ، كأنما اللغة العربية بين يديه وفي خدمته معجما وترائا . وكان ناثرا بليغا ، يجيء نثره صنو شعره لا يسف في أسلوبه ولا يخف ، وتجري العربية بين يديه ، وعلى قلبه ، صافية سلسة تعبر عن أدق الأفكار وأعمق المعاني في أوضح الألفاظ وأجمل العبارات ومن ثم تمیز کكاتب رواية تاريخية بين أقرانه وفاق أقرانه في هذا المجال » .
ويضيف دكتور طاهر مكى:
شموس ثلاثة سطعت في سماء الشعر العربي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين ، فأسعدت الناس بدائع قريضها ، وأطربتهم بجلال أنغامها ، وبعثت في أعماقهم أروع ما تعرفه النفس الإنسانية ، من كريم الخصال وجليل الأعمال : شوقي وحافظ والجارم . منح أولهم لقب : أمير الشعراء ، وعرف الثاني بشاعر النيل ،وكان الأخير شاعر العروبة والإسلام . وتميز من بينهم بأنه كان رأس اتجاه وصفه عباس محمود العقاد بحق بأنه : « ركن من أركان مدرسة شعرية تستحق الآن بأن تعرف بملامحها، وأن تستقل بعنوانها فلا تلتبس بمدرسة أخرى تنسب إلى علم من أعلام الشعر المخضرمين بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين . إنها مدرسة يجوز لنا أن نسميها ب « مدرسة دار العلوم ». ونعجب لأنها لم تتميز بهذه الميزة الواضحة وهي أدل عليها من كل جامعة أخرى تفرقها ولا تقارب بين أوصالها ، فلها ملامح أسرة فكرية نفسية خلقتها طبيعة الدراسة » التي انفردت بها دار العلوم ولم تشبهها دراسة من قبيلها في لغتنا ولا في لغة أخرى من لغات الثقافة المعروفة لدينا . فالدرعميلغوي عربي سلفي عصري ، ولكن على منهج فريد في بابه بين مناهج المعاهد السلفية والمدارس الإفرنجية ، وبين مناهج المحافظة والتجديد ، ومناهج الابتداع والتقليد ». كان الجارم بعد وفاة شوقي رأس شعراء العربية في عصره دون نزاع ، التقت عنده كل الإمكانات التي تجعل منه شاعرا فردا ، يملك الموهبة الخلاقة المبدعة ، وهي هبة من الله ، لا تشترى ولا تستعار ولا تكتسب ؛ وتمل تراثنا الأدبي بعمق في أدق تفاصيله وأجمل روائعه ، شعرا ونثرا ، تاريخا ولغة ، وافر الزاد منه ، ثري المعرفة بكل جوانبه . ولم يقف عند التراث العربي وحده ، فكان موصول الجانب بالثقافة الغربية ، ابتعث إلى إنجلتراللدراسة ، وبقي فيها أعواما ، عاد بعدها إلى وطنه واعيا بمتطلبات التقدم ،وأنه ينهض على دعامتين : ألا تدير ظهرك لتراثك وتاريخك ، وألا تغمضعينك عن واقعك وما حولك . وتجلى ذلك واضحا في كل إبداعه الأدبي ،ونتاجه العلمي ، فوظف ما رأي هناك وما درس في النهوض بقواعد اللغةالعربية ، وتطوير مناهج دراسة الأدب.
أدرك علي الجارم شاعريته المبكرة وهو مازال طفلا صغيرا يجلس إلى والده الشيخ محمد صالح الجارم في مجلسه مساء كل يوم للأدب والشعر واللغة والدين ، يتلقی مع أشقائه الذين سبقوه للدراسة بالأزهر الشريف الموضوعات التي يناقشها والده . نقرأ للجارم في مقاله « صديقي أحمد شوقي » قوله :« في مدينة رشيد تلك المدينة الشاعرية الهادئة التي تقبل أذيالها الأمواج وتتوج هامتها الرمال الذهبية ، نشأت في أسرة فتنت بالأدب وأغرمت ، بفطرتها وباستعدادها الموروث ، بروائع الشعر على اختلاف ألوانه وفنونه . وكان أبي إذا جلس بعد العشاء التف حوله أبناؤه فتنقل بهم من أدب إلى تاريخ إلى بحوث سهلة في اللغة ثم إلى شعر جزل رصين . ولقد كان – عليه الرحمة – كثير القراءة قوى الحافظة حسن العرض والأداء فكان متاعا أن نستمع له وأن ترف نفوسنا حوله طليقة مرحة في هذا الجو العجيب »
بدأت حكاية الرحلة كما سبق وسردنا بعزمنا عن البحث عن جذور المجتمع الرشيدى من خلال البحث فى بعض العائلات وقد تواصلتا بالفعل مع بعض العائلات العريقة مثل السلانكلى وعرب كلى وثابت وغيرها والتى سنفرد لها موضوعا بحثيا مستقلا إن شاء الله
ونحن فى هذا الخضم من المعلومات تواصلنا مع أحد الأصدقاء وهو الأستاذ /عمرو غنيم وهو أحد شباب المدينة المثقفين المحبين لتاريخ المدينة وقد سهل لنا التواصل مع شخصية رائعة من أسرة عجمية وهى إحدى الأسر العريقة أيضا وهو دكتور أركان حرب/ محمود عجمية وتم عمل لقاء معه إمتد لساعات طويلة إستقينا منه كم هائل من المعلومات والوثاقة الهامة والنادرة الخاصة بأسرة عجمية وبالصدفة البحتة سألته عن أسرة الجارم وأوضحت له صعوبة الحصول على معلومات عن الأسرة وعلى الفور فاجأنى قائلا (دكتور أحمد على الجارم )بن الشاعر على الجارم يبقى بمثابة خالى
وهنا أسقط فى يدى من هول المفاجأة حيث قام بالفعل بالإتصال به وبعد السلام والترحيب قائلا له (فى حد حابب يكلمك)
وهنا دار الحوار:
ألو مساء الخير يا فندم أحب أعرفك بنفسى أنا فلان مدير متحف رشيد وبعتذر جدا اننا إتأخرنا فى التواصل مع حضرتك بس والله بنحاول والله من 3 سنوات
كان الرد بصوت عذب محب به نبرة عتاب ممتزجة بالشوق وحكايات عن الأسرة والذكريات وإتفقنا أننى سأذهب للقاءه فى أقرب وقت بمستشفى الجارم بالمعادى
ودار بذهنى أننى أتحدث إلى شخصية تجاوزت التسعين عاما ذو مركز مرموق بالمجتمع فلما لا أوجه الدعوة لأحد الشخصيات من أبناء مدينة رشيد ليرافقنى فى هذه المهمة وكان الإختيار لشخصية عزيزة على قلبى وهو الأستاذ أسامة عرفة أحد أبطال حرب أكتوبر وصاحب مدارس رشيد لللغات وهو شخصية محبة للمدينة دائم البسمة نقى الروح بالإضافة إلى ذلك فهو يكبرنى سنا وبالفعل قمت بعرض الأمر عليه وكما توقعت أبدى ترحيبا شديدا وعقدنا العزم وتوكلنا على الله إلى قاهرة المعز حى المعادى
من هو الأستاذ الدكتور أحمد على الجارم
عقب هذا الإتصال قمت بالبحث لمعرفة بعض المعلومات عن شخصية دكتور أحمد على الجارم وكما توقعت وجدت نموذجا مشرفا من أبناء مدينة رشيد سار على درب والده شاعر العروبه فى التعلم والنبوغ والتميز وهو أستاذ الأمراض المستوطنة بالقصر العيني وأنشأ أقسام للأمراض المستوطنة في طب الأزهر، والمنصورة، وطنطا والذى ولدفى ۲۷فياير ۱۹۲۸بالقاهرة حصل على بكالوريوس الطب والجراحة – طب القاهرة ديسمي تدرج فى وظيفته ۱٩٥۰ وهو الآن أستاذ متفرغ بكلية الطب بجامعة القاهرة . عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة . ومقرر لجنة المصطلحات الطبية به .وحائز على جائزة الدولة للإبداع ف العلوم الطبية ( والتى تعادل جائزة الدولة التقديرية عام ۱۹۹۷
• الدرجات العلمية :
– دبلوم طب المناطق الحارة وصحتها – طب القاهرة نوفمي١٩٥٤ _ دبلوم الأمراض الباطنة العامة – طب القاهرة أكتوبر ۱۹٥٥ _ دكتوراه الأمراض الباطنية العامة طب القاهرة مايو ۱۹٥۸_ عضو مجلس إدارة معهد تيودور بلهارس بوزارة البحثالعلمى . _ رئيس شعبة الأمراض المتوطنة والمعدية بالجمعية الطبيةالمصرية ._عضو مجلس البحوث الطبية باكاديمية البحث العلمى وعضوهيئة المكتب ورئيس لجنة البلهارسيا بالمجلس. عضو بأكاديمية نيويورك للعلوم_ . عضو مجلس إدارة وحدة أمراض الكبد ووحدة مناظير الجهاز الهضمى بكلية الطب جامعة القاهرة _. رئيس قسم طب الأمراض المتوطنة بطب القاهرة سابقا ._ بمجرد التحاقه بقسم طب الأمراض المتوطنة بكلية طب القاهرةعام 1953_ بادر مع زملائه بالتصدي للمشكلات الطبية الأكثر انتشارا ف مصر والبلاد الإفريقية مثل البلهارسيا والأميبا والملاريا والأمراض الكبدية الفيروسية وله بحوث رائدة ف هذا المجال. وله ف هذا المجال بحوث جديدة تربو على المئة بحث كثير منها منشور بالدوريات الطبية الأجنبية هذا بالإضافة إلى الجهد الكبير فى إقامة معهد تيودور بلهارس للأبحاث بوزارة البحث العلم منذ ۱۹٦۲والمعهد الآن يؤدي هذه الرسالة بكفاءة كبيرة يشهد لها العالم .

عندما وصلنا إلى مستشفى الجارم بحى المعادى ودخلنا إلى الإستقبال بادرت بالتعريف بنفسى ورفيقى وأننا على موعد مع الدكتور أحمد فتبسمت موظفة الإستقبال ولم تكد تنطق حتى جاء صوت قوى من خلفى لرجل فى العقد العاشر من العمر يبتسم ويقبض على يدى قائلا أستاذ سعيد إنته صغير قوى أنا كنت بحسب مدير المتحف ده راجل كذا وكذا وكذا وأسهب فى وصف الشخصية التى كان ينتظرها وأنا فى قمة الخجل وقلت فى نفسى كويس إن الحاج أسامة معايا
والغريب أنه بالرغم من ذلك إستمر فى القبض على يدى حتى دخلنا لمكتبه بصحبة الحاج أسامة وجلسنا فى مكتب عتيق الطراز
بعد السؤال عن الطريق ومجاملة الإستقبال فاجأنى بقوله قوللى إنته محتاج إيه وإيه الهدف وممكن أساعد إزاى
وكأننى كنت على موعد مع القدر فأبديت إعتذارى مرة أخرى على التأخر فى التواصل معه وأننى كنت أبذل كل ما أستطيع وأنه قد آن الأوان أن تعود الطيور المهاجرة لموطنها لتلبية ندائها والأخذ بذمام الأمور لتحقيق نهضتها وتطورها وأن هدفنا هو أن تنفض رشيد الغبار عنها وأن تبعث فيها حركة فكرية وثقافية وفنية من جديد وأن هذا ما كان يحدث إلا بالتعرف على ما وصلت إليه هذه المدينة فى الماضى والتعرف كذلك على رموزها التاريخية والأدبية والفنية والإجتماعية كما وجهنا له الدعوة لزيارة المدينة وعند هذه اللحظة لاحظت الفرحة والسعادة الغامرة فى عينيه وأنه يقدر ذلك ويثمنه وأخذنا الوعد بتحديد ميعاد الزيارة
وتناولنا أثناء الحديث العديد من الموضوعات سواء المتعلقة بأسرة الجارم وتاريخها ومنتجاتها الفكرية والدينية حيث أنها من الأسر العريقة بمدينة رشيد إمتهن معظم رموزها مهنة العلم ولهم العديد من المؤلفات المخطوطة أو المرتبطة ببعض الأحداث السياسية والتاريخية خلال العصور السابقة ووجدت نفسى أمام مصدر فريد لتاريخ المدينة إن لم يكن لتاريخ مصر
وأوضح لنا ما بذله من مجهود فى سبيل جمع وإعادة طبع أعمال والده ومؤلفاته لقد راعه عدم إعادة طبع تراث والده الشاعر الكبير على الجارم الذي توفى إلى رحمة الله عام ۱۹٤۹؛ نتيجة الرقابة فى ذلك الوقت وما أن ألغيت هذه الرقابة حت شرع فجمع هذا االتراث شعرا وأدبا ولغة ، وهكذا ظهر « ديوان الجارم »فى طبعات متتالية ويجمع جميع شعره وكتاب « جارمیات » الذي يحوي مقالاته وبحوثه الأدبية واللغوية وكتاب « سلاسل الذهب » الذي يحتوي على كل القصص التاريخية التى دمجها على الجارم الذي كان رائدا للقصة التاريخية في عصره . كما قام بجمع أغلب البحوث والمقالات عنه شاعرا وأديبا ولغويا . وهكذا ظهرکتاب الجارم ف ضمير التاريخ » و « الجارم ف عيون الأدباء ، كما قام بتأليف كتاب «الجارم ناثرا » والذي قامت بنشره « الدار المصرية اللبنانية » عام.۲۰٠٦
كما أهدانا نسخة من ديوان الجارم وكذلك نسخه من كتابه عن والده بعنوان (شاعر العروبة الكبير …على الجارم …فصل الخطاب) والذى يشمل العديد من الوثائق والصور والمعلومات التى تنشر لأول مرة عن شاعر العروبة ونقتبس من كتابه عن والده هذه الكلمات (تمر الأيام والسنون والنهضة الأدبية في مصر، والتي قامت على
أكتاف «الجارم » وأضرابه ، يعتريها الهزال والوهن ويتدارس العلماء
والمتخصصون کنه هذا التدهور – الذي كاد يلحق باللغة العربية ذاتها –
فرأيت أن أسهم في هذا الجهد بأن أقدم لهم السيرة الذاتية لهذا الشاعر
العظيم ، والعالم الفذ سنة إثر سنة مسجلا ما قام به من جهد خارق في
سبيل اللغة العربية الشريفة ، لغة القرآن الكريم . وكان ذلك ليس فقط لأنه
والدي الذي عايشته عن كثب هذه الفترة الطويلة سواء في حياته أو بعد مماته
ولكن الأهداف عدة أخرى أسمي من ذلك وأرفع شأنا ؛ منها الصدق
والشرف والحق والقيم السامية . فقد وفقني الله – سبحانه وتعالى – في أن
أعيد طبع تراثه کاملا ليجد مكانه اللائق في المكتبة الأدبية العربية ، وأن
أجمع جل أبحاث ومقالات السادة الأدباء الذين تدارسوا هذا التراث في
الكتابين «الجارم في ضمير التاريخ » و « الجارم في عيون الأدباء » ؛ إلا أني
تمكنت بفضل الله أخيرا من تسجيل حياته عاما بعد عام كي تكون حياته
وأداؤه بين يدي القراء بكل الصدق والدقة والموضوعية .
كما أردت أن أسجل « مؤامرة الصمت والتعتيم » على «الجارم »
بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة ؛ كما أوردت بعض نماذج للذين حقدوا
على «الجارم » أثناء حياته غيرة وحسدا)
وأخجلنى كثيرا كم الثناء والشكر من هذه الشخصية العظيمة على ما نقوم به من جهد فى سبيل جمع ما يمكن جمعه عن تاريخ المدينة والأسر العريقة بها وحينما تطرق الحديث عن الأسر العريقة بالمدينة وجدنا أنها كانت عبارة عما يشبه إتحادا للأسر العريقة فنجد أسرة الجارم وبدر الدين وعجمية وثابت وغيرها من الأسر العريقة فى علاقات مصاهرة ونسب مستمرة وهو ما يوضح مدى الترابط المجتمع الرشيدى حتى وقت قريب
وعند إقتراب اللقاء من نهايته وجدت أنه من المهم تسجيل مقطع فيديو لتوثيق اللقاء يوجه فيه دكتور أحمد على الجارم رسالة لأهالى مدينة رشيد وقد كان وتم نشر الفيديو على صفحة المتحف الرسمية
وغادرت المبنى بصحبة رفيقى وأنا أشعر أننى إنتقلت بآلة الزمن من ماضى مزدحم بالأحداث إلى مستقبل ينقصه الكثير من الجهد والعمل …وهذه هى مدينة رشيد

- Advertisement -

Leave A Reply

Your email address will not be published.