سياحة واثار

“الفانوس والزينة والموائد” أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية

315

كتب: احمد عبدالله القواسمى
ينتظر المسلمون في جميع بقاع الأرض شهر رمضان المبارك ويشتاقون إليه اشتياقا عجيبا، ويعود اهتمام المسلمين بقدوم شهر رمضان لأنه يعظم فيه الأجر وتفتح فيه أبواب الخير، فهو شهر الخير والبركات وشهر التقوى والصلاح، وشهر الصوم والصلاة وقراءة القرآن، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفّد فيه الشياطين.

وقد اعتاد المصريون منذ مئات السنين على مظاهر شتى لاستقبال شهر رمضان مثل رؤية الهلال والموائد الرمضانية، والمسحراتي ، ومدفع الإفطار، وانتشار الفوانيس، إلى غير ذلك من مظاهر الاحتفال بشهر الصيام.

فيما يلى توضيح لعادات المصريين ومظاهر احتفالهم بالشهر الكريم منذ العصر الفاطمي وحتى الحملة الفرنسية.

- Advertisement -

الفانوس أول مظاهر الاحتفال:
يعد فانوس رمضان هو أول مظاهر الاحتفال بقدوم شهر رمضان الكريم بعد ثبوت رؤية الهلال، وأول من عرف فانوس رمضان هم المصريون، وذلك يوم دخول المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة في الخامس من رمضان عام 362 هجرية 972 ميلادية، وخرج الرجال والنساء والأطفال في موكب كبيرا جدا لاستقبال المعز، وكانوا يحملون المشاعل والفوانيس الملونة والمزينة لإضاءة الطريق إليه، وهكذا بقيت الفوانيس تضئ الشوارع حتى آخر شهر رمضان لتصبح عادة يلتزم بها كل سنة.

ويروي التاريخ أنه قبل شهر رمضان من كل عام، كان الخليفة الفاطمي يخرج إلى الشارع في ليلة رؤية هلال رمضان واستطلاع الهلال وكان الأطفال يخرجون معه يحمل كل منهم فانوس ليضيئوا له الطريق وكانوا يتغنون ببعض الأغاني التي تعبر عن فرحتهم بقدوم شهر رمضان، بجانب خروجه طوال ليالي الشهر لتفقد المساجد والرعية، وينسب إلى أحد الخلفاء الفاطميين، أنه أراد أن يضئ شوارع القاهرة طوال ليالي شهر رمضان فأمر كل شيوخ المساجد بتعليق فوانيس يتم إضاءتها عن طريق شموع توضع بداخلها.

"الفانوس والزينة والموائد" أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية
“الفانوس والزينة والموائد” أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية

الزينة من مظاهر الاحتفال :
من المظاهر والطقوس في مصر فى شهر رمضان المبارك، تزيين الشوارع والمساجد وتعليق الأضواء عليها بشكل جمالى، حيث يذكر الكاتب ابراهيم مرزوق في كتابه ” دليل الأوائل ” أن أول من أضاء المساجد فى الإسلام  كان الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري، وقد أضاء المساجد بقناديل يوضغ فيها الزيت وكان ذلك كل يوم جمعة.

وفيما يذكر زياد سامى عيتانى، فى مقال له بعنوان ” عادات رمضانية، زينة رمضان”، أن أول من بدأ فكرة الإحتفال بقدوم شهر رمضان هو الخليفة عمر بن الخطاب، عندما قام بتزيين المساجد وإنارتها من اليوم الأول لرمضان حتى يتمكن المسلمون من إقامة صلاة التراويح وإحياء شعائرهم الدينية.

كما أشار  الكاتب أيضا أن أول من استخدم إنارة المساجد إحتفالا برمضان فى الأستانة خلال العصر العثمانى كان السلطان أحمد سنة 1617 ميلادية، فأضاء أنوار المصابيح والمشاعل التى غطت مختلف مساجد اسطنبول، أما في مصر فكانت تزيَّن الشوارع والحارات بالأعلام والبيارق الورقية منذ الأسبوع الأخير من شهر شعبان، بحيث تشهد الأحياء والأزقة في مصر ظاهرة جميلة بربط الحبال بين البيوت المتقابلة، تعلّق عليها الرايات والفوانيس.

الموائد الرمضانية :
تعد الموائد الرمضانية في مصر من مظاهر الشهر الكريم، وكان يخضع إعدادها إلى عدة مراحل تبدأ بعمليات شراء المواد التموينية وتوفير مخزن الطعام، ثم مرحلة اختيار العمالة المأجورة للعمل داخل الموائد، فمرحلة طهى الأطعمة، ثم إعداد المائدة وتجهيزها تمهيداً للمرحلة الأخيرة وهى توزيع وجبات الإفطار على ضيوف المائدة، فقد كان الولاة والسلاطين يهتمون بإفطار المساكين وإقامة الولائم ويقومون بالإشراف بأنفسهم على هذه الموائد.

ففي العصر الفاطمي كان يعهد فيه للقضاة بالطواف بالمساجد في القاهرة والأقاليم لتفقد ما تَمّ إجراؤه فيها من إصلاح وفرش وتعليق المصابيح والقناديل وإعداد الولائم والموائد، وكان لأحمد بن طولون حديقة إلى جوار مسجده، وتحت أشجار هذه الحديقة كان ابنه خمارويه يقدم موائد الإفطار والسحور للناس طوال الشهر.

وفى القرن الثالث الهجري أيضا كان ابن طولون يهتم بأمر العمال خاصة في شهر رمضان وقد خرج ذات مرة لزيارة مسجده وقت بنائه، فرأى الصناع يعملون إلى وقت الغروب، فقال: “متى يشترِي هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم، أصرفوهم عند صلاة العصر”، فأصبحت سنة من ذلك الوقت، فلما فرغ رمضان قيل له: لقد انقضى رمضان فيعودون إلى عاداتهم فقال: ” قد بلغني دعاؤهم وقد بركت به وليس هذا مما يوفّر العمل”.

كما اهتم سلاطين المماليك بالتوسع في البر والإحسان طوال الشهر المبارك فاعتاد السلطان برقوق طوال أيام ملكه أن يذبح في كل يوم من أيام رمضان 25 بقرة يتصدق بلحومها، بالإضافة إلى توزيع الخبز والأطعمة على أهل المساجد والخوانق والروابط والسجون بحيث يخص كل فرد رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة، وانتهج سنته من أتى بعده من السلاطين، فأكثروا من ذبح الأبقار وتوزيع لحومها، كما كان يعد السلطان بيبرس 5 آلاف رطل من السمن والجبن في كل يوم من أيام شهر رمضان.

- Advertisement -

واعتاد سلاطين المماليك على عتق 30 رقبة بعدد أيام الشهر الكريم، بالإضافة إلى إشاعة كافة أنواع التوسعة، وذلك بصرف رواتب إضافية لأرباب الوظائف ولحملة العلم والأيتام، وفي العصر العثماني كان السّماط يُمدّ للناس ولا يُمنع من يريد الدخول.

وكانت لهم عادات وصدقات في ليالي رمضان يطبخون فيها الأرز باللبن، ويملأون من ذلك قصاعا كثيرة ويوزعون منها على المحتاجين، ويجتمع في كل بيت الكثير من الفقراء فيوزعون عليهم الخبز ويأكلون، خلاف ما يوزع من الكعك المحشو بالسكر وسائر الحلوى.

مدفع رمضان والمسحراتي والخيمة الرمضانية:

  • مدفع رمضان
    يشير التاريخ إلى أن المسلمين في شهر رمضان كانوا أيام الرسول يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم، وعندما بدأ استخدام الآذان اشتهر بلال وابن أم مكتوم بآدائه، وقد حاول المسلمون عبر التاريخ، ومع زيادة الرقعة المكانية وانتشار الإسلام، أن يبتكروا الوسائل المختلفة إلى جانب الآذان للإشارة إلى موعد الإفطار، إلى أن ظهر مدفع الإفطار الذي عرف في مصر في العصر المملوكي، وكانت القاهرة أول مدينة إسلامية تستخدم هذه الوسيلة عند الغروب إيذانا بالإفطار في رمضان.
"الفانوس والزينة والموائد" أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية
“الفانوس والزينة والموائد” أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية
  • والمسحراتي

الطقس رمضاني تاريخي ومازال موجودا في بعض الأحياء حيث يمر المسحراتى في الساعات الأولى بعد منتصف الليل ممسكا طبلته التي يدقها مناديا على المسلمين لإيقاظهم لتناول السحور وتشجعيهم على الصيام.

  • الخيمة الرمضانية

كما انتشرت في مصر ظاهرة الخيمة الرمضانية التى أصبحت من السمات المميزة لشهر رمضان الكريم، وهى تعد ملتقى العائلات التي تسهر في الجو الرمضاني، وتقام فيها التواشيح الدينية، وتمتد سهراتها حتى السحور.

أسواق وأكلات رمضان
وعن الأسواق التي كانت تَنْشَط فيها الحركة التجارية خلال شهر رمضان المبارك، وهي الأسواق التي كانت تختص ببيع المأكولات والمشروبات الخاصة بشهر رمضان، ومنها

  • سوق الشماعين بالنحاسين الذي كان يعد من أهم الأسواق خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين، فكان به في شهر رمضان موسم عظيم لشراء الشموع الموكبية التي تزن الواحدة “عشرة أرطال”، وسوق الحلاويين الذي كان من أبهج الأسواق ومن أحسن الأشياء منظرا حيث كان يصنع فيه من السكر أشكال خيول وسباع وغيرها تسمى “العلاليق”.
  •  سوق السمكرية داخل باب زويلة ويعرض أنواع الياميش و قمر الدين.
  • كما كانت وكالة قوصون بشارع باب النصر مقرا لتجار الشام ينزلون فيها ببضائع الزيت والصابون والفستق والجوز واللوز والخروب.
  • ولما تخربت وكالة قوصون انتقلت تجارة المكسرات إلى وكالة “مطبخ العمل” بمنطقة التمبكشية في حي الجمالية بالقاهرة التاريخية، وكانت مُخَصّصة لبيع أصناف النقل كالجوز واللوز.

الكنافة والقطايف
كما كان يتم عرض أنواع الحلوى مثل القطايف والكنافة وقد بدأت الكنافة طعاما للخلفاء، إذ يقال إن الكنافة صنعت خصيصًا للخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، وقيل، إنها صنعت للخليفة معاوية بن أبي سفيان زمن ولايته للشام، كما اتخذت الكنافة مكانتها بين أنواع الحلوى التي ابدعها الفاطميون، وأصبحت بعد ذلك من العادات المرتبطة بالطعام في شهر رمضان في العصور الأيوبى والمملوكى والتركي وحتى عصرنا الحالي، باعتبارها طعاماً لكل غني وفقير مما أكسبها طابعها الشعبى، كذلك ارتبطت الأكلات الشعبية الاخرى بشهر رمضان في مصر، مثل طبق الفول المدمس، واللبن الزبادي، بالاضافة إلى الياميش وقمر الدين المصنوع من المشمش، وبعض الفواكه المجففة.

"الفانوس والزينة والموائد" أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية
“الفانوس والزينة والموائد” أبرز مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في مصر الإسلامية

وتظل هذه المظاهر من السمات المميزة لشهر رمضان في مصر، حيث انتقل هذا التقليد من جيل إلى جيل، ويقوم الأطفال الآن بحمل الفوانيس في شهر رمضان والخروج إلى الشوارع وهم يغنون ويمسكون الفوانيس، فضلا عن تعليق فوانيس كبيرة ملونة في الشوارع وأمام البيوت، هذا بالإضافة إلى مظاهر الاحتفال الآخرى، ولا تختلف كثيرا المظاهر الدينية لرمضان في مصر عنه في مختلف البلدان، كما تزداد في شهر رمضان اقامة الصلوات في المساجد الكبرى ويكثر الناس من الاعتكاف وقراءة القرآن وخاصة في العشرة الأخيرة من رمضان، ويزداد العطاء للفقراء والمساكين، وبعد الأفطار يخرج الناس ليلا إلي الشوارع و المقاهي، وذلك للترويح عن النفس مما يجعل شهر رمضان عيدا يحتفل به جميع المصريين.

- Advertisement -

Leave A Reply

Your email address will not be published.